كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

الموسـوعـة القــرآنية
تفسير القـرآن الكريــم
جامع الحديث الشريف
خـــزانــــــــة الكـــتــب
كـــتــــب مــخـــتــــارة
الـكـتـاب الــمسـمــــوع
الفـهــرس الشــــــامـل
الــــرســـائل العـلــمية
الـــــدروس والخــطـب
أرشـــيف الـفتــــــــوى
رمـــضـــــانـــيـــــــات
روائــــــــع مختـــــارة
مجلـة نـــداء الإيمــان
هدايا الموقع
روابط مهمة
خدمات الموقع
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وَمِنْ أَعْظَمِ الْأُصُولِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا القرآن فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ جِدًّا وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ وَسَائِرُ كُتُبِ اللَّهِ وَكَلَامِ السَّلَفِ وَعَلَيْهَا تَدُلُّ الْمَعْقولاتُ الصَّرِيحَةُ هُوَ إثْبَاتُ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ مِثْلُ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ كَلَامًا يَقُومُ بِذَاتِهِ وَكَذَلِكَ يَقُومُ بِذَاتِهِ فِعْلُهُ الَّذِي يَفْعَلُهُ بِمَشِيئَتِهِ. فَإِثْبَاتُ هَذَا الْأَصْلِ يَمْنَعُ ضُلَّالَ الطَّوَائِفِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِهِ وَالقرآن وَالْحَدِيثُ مَمْلُوءٌ وَكَلَامُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مَمْلُوءٌ مِنْ إثْبَاتِهِ. فَالْحَقُّ الْمَحْضُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم فَلَا يَكُونُ الْحَقُّ فِي خِلَافِ ذَلِكَ. لَكِنَّ الهدى التَّامَّ يَحْصُلُ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَتَصَوُّرِهِ. فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ تَارَةً يَنْشَأُ مِنْ سُوءِ الْفَهْمِ وَنَقْصِ الْعِلْمِ وَتَارَةً مِنْ سُوءِ الْقَصْدِ. وَالنَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِي الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ فِي تَعَدُّدٍ ذَلِكَ وَإِيجَادِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا يَقُومُ بِالنَّفْسِ مِنْ إرَادَةِ الْأُمُورِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقال فِيهِ. الْعِلْمُ بِهَذَا هُوَ الْعِلْمُ بِهَذَا وَلَا إرَادَةُ هَذَا هُوَ إرَادَةُ هَذَا. فَإِنَّ هَذَا مُكَابَرَةٌ وَعِنَادٌ. وَلَيْسَ تَمْيِيزُ الْعِلْمِ عَنْ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ عَنْ الْإِرَادَةِ تَمْيِيزًا مَعَ انْفِصَالِ أحدهِمَا عَنْ الْآخَرِ. بَلْ نَفْسُ الصِّفَاتِ الْمُتَنَوِّعَةِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ إذَا قَامَتْ بِمَحَلِّ واحد لَمْ يَنْفَصِلْ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بَلْ مَحَلُّ هَذَا هُوَ مَحَلُّ هَذَا كَالطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَالرَّائِحَةِ الْقَائِمَةِ بِالْأُتْرُجَّةِ الْواحدة وَأمثالها مِنْ الْفَاكِهَةِ وَغَيْرِهَا. فَإِذَا قِيلَ (هِيَ عُلُومٌ وَإِرَادَاتٌ) لَمْ يَنْفَصِلْ هَذَا عَنْ هَذَا بِفَصْلِ حِسِّيٍّ بَلْ هُوَ نوع واحد قَائِمٌ بِالنَّفْسِ. وَإِذَا عَلِمَ هَذَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ فَقَدْ زَادَ هَذَا النَّوْعُ وَكَثُرَ وَإِنْ شِئْت قُلْت: عَظُمَ. فَلَا يَزِيدُ فِيهِ زِيَادَةَ الْكَمِّيَّةِ عَنْ زِيَادَةِ الْكَيْفِيَّةِ. بَلْ يُقال (عِلْمٌ كَثِيرٌ وَعِلْمٌ عَظِيمٌ) بِأَنْ تَكُونَ الْعَظَمَةُ تَرْجِعُ إلَى قُوَّتِهِ وَشَرَفِ مَعْلُومِهِ. وَنَحْوِ ذَلِكَ. كَمَا قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأبي بْنِ كَعْبٍ: «أَتَدْرِي أَيَّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَك أَعْظَمُ؟ قال: {اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}. فَقال: ليهنك الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ» وَكَتَبَ سَلْمَانُ إلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ: لَيْسَ الْخَيْرُ أَنْ يَكْثُرَ مَالُك وَولدك وَلَكِنَّ الْخَيْرَ أَنْ يَكْثُرَ عِلْمُك وَيَعْظُمَ حِلْمُك. وَانْضِمَامُ الْعِلْمِ إلَى الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ إلَى الْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ إلَى الْقُدْرَةِ هُوَ شَبِيهٌ بِانْضِمَامِ الْأَجْسَامِ الْمُتَّصِلَةِ كَالْمَاءِ إذَا زِيدَ فِيهِ مَاءٌ فَإِنَّهُ يَكْثُرُ قَدْرُهُ. لَكِنْ هُوَ كَمٌّ مُتَّصِلٌ لَا مُنْفَصِلٍ بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ.
فَإِذَا قِيلَ (تَعَدَّدَتْ الْعُلُومُ وَالْإِرَادَاتُ) فَهُوَ إخْبَارٌ عَنْ كَثْرَةِ قَدْرِهَا وَأَنَّهَا أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِمَّا كَانَتْ لَا أَنَّ هُنَاكَ مَعْدُودَاتٍ مُنْفَصِلَةٍ كَمَا قَدْ يَفْهَمُ بَعْضُ النَّاسِ. وَلِهَذَا كَانَ الْعِلْمُ اسْمَ جِنْسٍ. فَلَا يَكَادُ يَجْمَعُ فِي القرآن بَلْ يُقال: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} فَيَذْكُرُ الْجِنْسَ. وَكَذَلِكَ الْمَاءُ لَيْسَ فِي القرآن ذِكْرُ مِيَاهٍ بَلْ إنَّمَا يَذْكُرُ جِنْسَ الْمَاءِ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَالْعِلْمُ يُشَبَّهُ بِالْمَاءِ كَقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الهدى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا» الْحَدِيثَ. وَقَدْ قال: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} إلَى قوله: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ}. وما خلقهُ الرَّبُّ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَرَاهُ وَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ عِبَادِهِ. وَالْمَعْدُومُ لَا يرى بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ. والسالمية كَأَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ لَمْ يَقولوا: إنَّهُ يرى قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا قالوا: يَرَاهُ الرَّبُّ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ مَعْدُومًا فِي ذَاتِ الشَّيْءِ الْمَعْدُومِ. فَهُمْ يَجْعَلُونَ الرُّؤْيَةَ لِمَا يَقُومُ بِنَفْسِ الْعَالَمِ مِنْ صُورَتِهِ الْعِلْمِيَّةِ مَا هُوَ عَدَمٌ مَحْضٌ. وَهُمْ وَإِنْ كَانُوا غَلِطُوا فِي بَعْضِ مَا قالوهُ فَلَمْ يَقولوا: إنَّ الْعَدَمَ الْمَحْضَ الَّذِي لَيْسَ بِشَيْءِ يرى فَإِنَّ هَذَا لَا يَقوله عَاقِلٌ. وَفِي الْحَقِيقَةِ إذَا رُئِيَ شَيْءٌ فَإِنَّمَا رُئِيَ مِثَالُهُ الْعِلْمِيُّ لَا عَيْنُهُ. وَأَبُو الشَّيْخِ الأصبهاني لَمَّا ذُكِرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ عَنْهَا. فَقَبْلَ أَنْ يُوجَدَ لَمْ يَكُنْ يرى وَبَعْدَ أَنْ يُعْدَمَ لَا يرى وَإِنَّمَا يرى حَالَ وُجُودِهِ. وَهَذَا هُوَ الْكَمَالُ فِي الرُّؤْيَةِ. وَكَذَلِكَ سَمْعُ أَصْوَاتِ الْعِبَادِ هُوَ عِنْدَ وُجُودِهَا لَا بَعْدَ فَنَائِهَا. وَلَا قَبْلَ حُدُوثِهَا.
قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} وَقال: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}.
فَصْلٌ:
الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى هُدًى وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. فَإِنَّهُ كَمَا أَرْسَلَهُ بِالْعِلْمِ وَالهدى وَالْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ فَإِنَّهُ أَرْسَلَهُ بِالْإِحْسَانِ إلَى النَّاسِ وَالرَّحْمَةِ لَهُمْ بِلَا عِوَضٍ وَبِالصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ وَاحْتِمَالِهِ. فَبَعَثَهُ بِالْعِلْمِ وَالْكَرَمِ وَالْحِلْمِ عَلِيمٌ هَادٍ كَرِيمٌ مُحْسِنٌ حَلِيمٌ صَفُوحٌ.
قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}.
وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}.
وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
وقال: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}.
وقال: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إنْ أَجْرِيَ إلَّا عَلَى اللَّهِ}.
وقال: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا}. فَهُوَ يعلم وَيَهْدِي وَيُصْلِحُ الْقُلُوبَ وَيَدُلُّهَا عَلَى صَلَاحِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِلَا عِوَضٍ. وَهَذَا نَعْتُ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ كُلٌّ يَقول: {مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}. وَلِهَذَا قال صَاحِبُ يس: {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ}. وَهَذِهِ سَبِيلُ مَنْ اتَّبَعَهُ كَمَا قال: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}.
وَأَمَّا الْمُخَالِفُونَ لَهُمْ فَقَدْ قال عَنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِمْ مَعَ بِدْعَةٍ {إنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}. فَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ وَمَنَعُوهُمْ سَبِيلَ اللَّهِ ضِدَّ الرَّسُولِ فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَالسَّحَرَةِ وَالْكُهَّانِ؟ فَهُمْ أوكل لِأَمْوَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ وأصد عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ قال: {إنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ} فَلَيْسَ كُلُّهُمْ كَذَلِكَ؛ بَلْ قال فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالوا إنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}. وَقَدْ قال فِي وَصْفِ الرَّسُولِ {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ}.
وَفِيهَا قراءتَانِ، فَمَنْ قرأ {بِظَنِينِ} أَيْ مَا هُوَ بِمُتَّهَمِ عَلَى الْغَيْبِ بَلْ هُوَ صَادِقٌ أَمِينٌ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ. وَمَنْ قرأ {بِضَنِينٍ} أَيْ مَا هُوَ بِبَخِيلِ لَا يَبْذُلُهُ إلَّا بِعِوَضِ كَاَلَّذِينَ يَطْلُبُونَ الْعِوَضَ عَلَى مَا يعلمونَهُ. فَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ يَقول الْحَقَّ فَلَا يَكْذِبُ وَلَا يَكْتُمُ. وَقَدْ وَصَفَ أَهْلَ الْكِتَابِ بِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَهُ قراطيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا وَأَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.
وَمَعَ هَذَا وَهَذَا قَدْ أَمَدَّهُ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ. وَجَعَلَهُ كَذَلِكَ يُعْطِيهِمْ مَا هُمْ مُحْتَاجُونَ إلَيْهِ غَايَةَ الْحَاجَةِ بِلَا عِوَضٍ وَهُمْ يُكْرِهُونَهُ وَيُؤْذُونَهُ عَلَيْهِ. وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ الَّذِي يَبْذُلُ الدَّوَاءَ النَّافِعَ لِلْمَرْضَى وَيَسْقِيهِمْ إيَّاهُ بِلَا عِوَضٍ وَهُمْ يُؤْذُونَهُ كَمَا يَصْنَعُ الْأَبُ الشَّفِيقُ. وَهُوَ أَبُو الْمُؤْمِنِينَ. وَكَذَلِكَ نَعَتَ أُمَّتَهُ بِقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال أَبُو هُرَيْرَةَ: كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ حَتَّى تُدْخِلُوهُمْ الْجَنَّةَ. فَيُجَاهِدُونَ يَبْذُلُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ لِمَنْفَعَةِ الْخلق وَصَلَاحِهِمْ وَهُمْ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ كَمَا قال أَحْمَد فِي خُطْبَتِهِ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَتْرَةً مِنْ الرُّسُلِ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إلَى الهدى وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى وَيُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللَّهِ أَهْلَ الْعَمَى. فَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لإبليس قَدْ أَحْيَوْهُ وَكَمْ مِنْ ضَالٍّ تَائِهٍ قَدْ هَدَوْهُ فَمَا أحسن أَثَرِهِمْ عَلَى النَّاسِ وَأَقْبَحَ أَثَرِ النَّاسِ عَلَيْهِمْ) إلَى آخِرِ كَلَامِهِ. فَهَذَا هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَجْزِي النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ فَهُوَ يُنْعِمُ عَلَى الرَّسُولِ بِإِنْعَامِهِ جَزَاءً عَلَى إحْسَانِهِمْ وَالْجَمِيعُ مِنْهُ. فَهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ وَلَهُ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا. وَهُوَ يُحِبُّ الْبَصَرَ النَّافِذَ عِنْدَ وُرُودِ الشُّبُهَاتِ وَيُحِبُّ الْعَقْلَ الْكَامِلَ عِنْدَ حُلُولِ الشَّهَوَاتِ. وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا: وَقَدْ يُحِبُّ الشَّجَاعَةَ وَلَوْ عَلَى قَتْلِ الْحَيَّاتِ وَيُحِبُّ السَّمَاحَةَ وَلَوْ بِكَفِّ مِنْ تَمَرَاتٍ. وَالقرآن أَخْبَرَ أَنَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَيُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وَهَذَا هُوَ الْكَرَمُ وَالشَّجَاعَةُ.
فَصْلٌ:
وَقوله: {الأكرم} يَقْتَضِي اتِّصَافَهُ بِالْكَرَمِ فِي نَفْسِهِ وَأَنَّهُ الأكرم وَأَنَّهُ مُحْسِنٌ إلَى عِبَادِهِ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ لِمَحَاسِنِهِ وَإِحْسَانِهِ. وَقوله: {ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}. فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. قِيلَ: أَهْلٌ أَنْ يُجِلَّ وَأَنْ يُكْرِمَ. كَمَا يُقال إنَّهُ {أَهْلُ التَّقْوَى} أَيْ الْمُسْتَحِقُّ لِأَنْ يُتَّقَى.
وقيل: أَهْلٌ أَنْ يُجَلَّ فِي نَفْسِهِ وَأَنْ يُكْرِمَ أَهْلَ وِلَايَتِهِ وَطَاعَتِهِ.
وقيل: أَهْلٌ أَنْ يُجَلَّ فِي نَفْسِهِ وَأَهْلٌ أَنْ يُكْرِمَ. ذَكَرَ الخطابي الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثَةِ وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ كَلَامَهُ فَقال: قال أَبُو سُلَيْمَانَ الخطابي: الْجَلَالُ مَصْدَرُ الْجَلِيلِ يُقال: جَلِيلٌ بَيْنَ الْجَلَالَةِ وَالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ مَصْدَرُ أَكْرَمَ يُكْرِمُ إكْرَامًا. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُكْرِمُ أَهْلَ وِلَايَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَأَنَّ اللَّهَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُجَلَّ وَيُكْرَمَ وَلَا يُجْحَدَ وَلَا يُكْفَرَ بِهِ قال: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: يُكْرِمُ أَهْلَ وِلَايَتِهِ وَيَرْفَعُ دَرَجَاتِهِمْ.
قُلْت: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ البغوي فَقال: {ذُو الْجَلَالِ} الْعَظْمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْإِكْرَامِ يُكْرِمُ أَنْبِيَاءَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ بِلُطْفِهِ مَعَ جَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ.
قال الخطابي: وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أحد الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الْجَلَالُ مُضَافًا إلَى اللَّهِ بِمَعْنَى الصِّفَةِ لَهُ وَالْآخَرُ مُضَافًا إلَى الْعَبْدِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ كَقوله تعالى: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} فَانْصَرَفَ أحد الْأَمْرَيْنِ إلَى اللَّهِ وَهُوَ الْمَغْفِرَةُ وَالْآخَرُ إلَى الْعِبَادِ وَهِيَ التَّقْوَى.
قلت: الْقول الْأَوَّلُ هُوَ أَقْرَبُهَا إلَى الْمُرَادِ مَعَ أَنَّ الْجَلَالَ هُنَا لَيْسَ مَصْدَرَ جَلَّ جَلَالًا بَلْ هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ أَجَلَّ إجْلَالًا. كَقول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِنْ إجْلَالِ اللَّهِ إكْرَامُ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ القرآن غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ وَإكْرَامِ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ». فَجَعَلَ إكْرَامَ هَؤُلَاءِ مِنْ جَلَالِ اللَّهِ أَيْ مِنْ إجْلَالِ اللَّهِ كَمَا قال: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا}. وَكَمَا يُقال: كَلَّمَهُ كَلَامًا وَأَعْطَاهُ عَطَاءً وَالْكَلَامُ وَالْعَطَاءُ اسْمُ مَصْدَرِ التَّكْلِيمِ وَالْإِعْطَاءِ. وَالْجَلَالُ قُرِنَ بِالْإِكْرَامِ وَهُوَ مَصْدَرُ الْمُتَعَدِّي فَكَذَلِكَ الْإِكْرَامُ. وَمِنْ كَلَامِ السَّلَفِ: أَجِلُّوا اللَّهَ أَنْ تَقولوا كَذَا.
وَفِي حَدِيثِ مُوسَى: يَا رَبِّ إنِّي أَكُونُ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أُجِلُّك أَنْ أَذكرك عَلَيْهَا. قال: اُذْكُرْنِي عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَإِذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْإِجْلَالِ وَالْإِكْرَامِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا فِي نَفْسِهِ بِمَا يُوجِبُ ذَلِكَ كَمَا إذَا قال: الْإِلَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِأَنْ يُؤَلَّهَ أَيْ يُعْبَدُ كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ مُسْتَحِقًّا لِمَا يُوجِبُ ذَلِكَ. وَإِذَا قِيلَ {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى} كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ مُتَّصِفًا بِمَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُتَّقَى. وَمِنْهُ قول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ بَعْدَ مَا يَقول: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ: «مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قال الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ. اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ». أَيْ هُوَ مُسْتَحِقٌّ لَأَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ وَتُمَجَّدُ نَفْسُهُ. وَالْعِبَادُ لَا يُحْصُونَ ثَنَاءً عَلَيْهِ وَهُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ كَذَلِكَ هُوَ أَهْلُ أَنْ يُجَلَّ وَأَنْ يُكْرَمَ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُجِلُّ نَفْسَهُ وَيُكْرِمُ نَفْسَهُ. وَالْعِبَادُ لَا يُحْصُونَ إجْلَالَهُ وَإِكْرَامَهُ. وَالْإِجْلَالُ مِنْ جِنْسِ التَّعْظِيمِ وَالْإِكْرَامِ مِنْ جِنْسِ الْحُبِّ وَالْحَمْدِ وَهَذَا كَقوله لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ. فَلَهُ الْإِجْلَالُ وَالْمُلْكُ وَلَهُ الْإِكْرَامُ وَالْحَمْدُ. وَالصَّلَاةُ مَبناها عَلَى التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّوْحِيدِ فِي الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالتَّكْبِيرِ فِي الِانْتِقالاتِ كَمَا قال جَابِرٌ «كُنَّا مَعَ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فَكُنَّا إذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا هَبَطْنَا سَبَّحْنَا فَوُضِعَتْ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي الرُّكُوعِ يَقول «سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ».
وقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إنِّي نُهِيت أَنْ أَقرأ القرآن رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا. أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِيهِ فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنَ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ». وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ حَمِدَ فَقال: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ». فَيَحْمَدُهُ فِي هَذَا الْقِيَامِ كَمَا يَحْمَدُهُ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ إذَا قرأ أُمَّ القرآن. فَالتَّحْمِيدُ وَالتَّوْحِيدُ مُقَدَّمٌ عَلَى مُجَرَّدِ التَّعْظِيمِ. وَلِهَذَا اشْتَمَلَتْ الْفَاتِحَةُ عَلَى هَذَا أَوَّلُهَا تَحْمِيدٌ وَأَوْسَطُهَا تَمْجِيدٌ. ثُمَّ فِي الرُّكُوعِ تَعْظِيمُ الرَّبِّ. وَفِي الْقِيَامِ يَحْمَدُهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيُمَجِّدُهُ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّعْظِيمَ الْمُجَرَّدَ تَابِعٌ لِكَوْنِهِ مَحْمُودًا وَكَوْنِهِ مَعْبُودًا. فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُحْمَدَ وَيُعْبَدَ ولابد مَعَ ذَلِكَ مِنْ التَّعْظِيمِ فَإِنَّ التَّعْظِيمَ لَازِمٌ لِذَلِكَ. وَأَمَّا التَّعْظِيمُ فَقَدْ يَتَجَرَّدُ عَلَى الْحَمْدِ وَالْعِبَادَةِ عَلَى أَصْلِ الْجَهْمِيَّة. فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَأْمُورِ بِهِ وَلَا يَصِيرُ الْعَبْدُ بِهِ لَا مُؤْمِنًا وَلَا عَابِدًا وَلَا مُطِيعًا. وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الْخَطِيبِ الرَّازِي يَجْعَلُ الْجَلَالَ لِلصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ وَالْإِكْرَامَ لِلصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ فَيُسَمِّي هَذِهِ (صِفَاتِ الْجَلَالِ) وَهَذِهِ (صِفَاتِ الْإِكْرَامِ) وَهَذَا اصْطِلَاحٌ لَهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ هَذَا فِي قوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}. وقوله: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} وَهُوَ فِي مُصْحَفِ أَهْلِ الشَّامِ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّك ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَهِيَ قراءة ابْنِ عَامِرٍ فَالِاسْمُ نَفْسُهُ يُذْوَى بِالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَفِي سَائِرِ الْمَصَاحِفِ وَفِي قراءة الْجُمْهُورِ {ذِي الْجَلَالِ} فَيَكُونُ الْمُسَمَّى نَفْسَهُ. وَفِي الأولى {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}. فَالْمُذْوَى وَجْهُهُ سُبْحَانَهُ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ هُوَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. فَإِنَّهُ إذَا كَانَ وَجْهُهُ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ كَانَ هَذَا تَنْبِيهًا كَمَا أَنَّ اسْمَهُ إذَا كَانَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ كَانَ تَنْبِيهًا عَلَى الْمُسَمَّى. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُجَلَّ وَيُكْرَمَ. فَإِنَّ الِاسْمَ نَفْسَهُ يُسَبِّحُ وَيَذْكُرُ وَيُرَادُ بِذَلِكَ الْمُسَمَّى وَالِاسْمُ نَفْسُهُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا لَا إكْرَامًا وَلَا غَيْرَهُ. وَلِهَذَا لَيْسَ فِي القرآن إضَافَةُ شَيْءٍ مِنْ الْأَفْعَالِ وَالنِّعَمِ إلَى الِاسْمِ. وَلَكِنْ يُقال: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعلى} {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَإِنَّ اسْمَ اللَّهِ مُبَارَكٌ تُنَالُ مَعَهُ الْبَرَكَةُ وَالْعَبْدُ يُسَبِّحُ اسْمَ رَبِّهِ الأعلى فَيَقول: (سُبْحَانَ رَبِّي الأعلى). وَلَمَّا نَزَلَ قوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعلى} قال: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ»؛ فَقالوا (سُبْحَانَ رَبِّي الأعلى). فَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا يَقول (سُبْحَانَ اسْمِ رَبِّي الأعلى). لَكِنَّ قوله (سُبْحَانَ رَبِّي الأعلى). هُوَ تَسْبِيحٌ لِاسْمِهِ يُرَادُ بِهِ تَسْبِيحُ الْمُسَمَّى لَا يُرَادُ بِهِ تَسْبِيحُ مُجَرَّدِ الِاسْمِ كَقوله: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}. فَالدَّاعِي يَقول (يَا اللَّهُ) (يَا رَحْمَنُ) وَمُرَادُهُ الْمُسَمَّى. وَقوله: {أَيَّا مَا} أَيُّ الِاسْمَيْنِ تَدْعُو وَدُعَاءُ الِاسْمِ هُوَ دُعَاءُ مُسَمَّاه.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ مَنْ قال مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: إنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى. أَرَادُوا بِهِ أَنَّ الِاسْمَ إذَا دُعِيَ وَذُكِرَ يُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى. فَإِذَا قال الْمُصَلِّي (اللَّهُ أَكْبَرُ) فَقَدْ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ وَمُرَادَهُ الْمُسَمَّى. لَمْ يُرِيدُوا بِهِ أَنَّ نَفْسَ اللَّفْظِ هُوَ الذَّاتُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ. فَإِنَّ فَسَادَ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَصَوَّرَهُ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مَنْ قال (نَارًا) احْتَرَقَ لِسَانُهُ. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْجَلَالَ وَالْإِكْرَامَ مِثْلُ الْمُلْكِ وَالْحَمْدِ كَالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ. وَهَذَا يَكُونُ فِي الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ. فَإِنَّ كُلَّ سَلْبٍ فَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلثُّبُوتِ. وَأَمَّا السَّلْبُ الْمَحْضُ فَلَا مَدْحَ فِيهِ. وَهَذَا مِمَّا يَظْهَرُ بِهِ فَسَادُ قول مَنْ جَعَلَ أحدهُمَا لِلسَّلْبِ وَالْآخِرَ لِلْإِثْبَاتِ لاسيما إذَا كَانَ مِنْ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ يُنْكِرُونَ مَحَبَّتَهُ وَلَا يُثْبِتُونَ لَهُ صِفَاتٍ تُوجِبُ الْمَحَبَّةَ وَالْحَمْدَ. بَلْ إنَّمَا يُثْبِتُونَ مَا يُوجِبُ الْقَهْرَ كَالْقُدْرَةِ. فَهَؤُلَاءِ آمَنُوا بِبَعْضِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِ وَأَلْحَدُوا فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ بِقَدْرِ مَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ الْحَقِّ كَمَا بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.